ابن عربي
138
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
اتصف بها المسمى جمادا ، حتى أخبر عنه الصادق أنه يسبح بحمد اللّه ، لأن الحق أضاف ذلك إلى الحجر بقوله « منه » ، ومن لا كشف له ولا إيمان لا يثبت للجماد حياة ، فكيف
--> هذا التيه ؟ فظلل اللّه عليهم الغمام ، وهو الضباب أو السحاب ، فقالوا : ما نأكل ؟ فأنزل اللّه عليهم المن ، وهو هذا الذي ينزل على الشجر ويجمعه الناس ، جعل اللّه لهم فيه غذاء وهو المعروف عندنا ، وقد قيل فيه إنه شيء شبه الخبز النقي ، وقيل شبه الذرة ، وأما السلوى فهو طائر واحده سلواة ، فقال تعالى « وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » من جعل من للتبيين جعل الطيبات الحلال من الرزق ، وأطلق الرزق على الحلال والحرام ، ومن جعل من للتبعيض يريد التقليل من الأكل وهو مشروع ، جعل الرزق هنا الحلال ، فإن اللّه نهى عن أكل الحرام في غير ما موضع من كلامه في كل كتاب ، وقوله « وَما ظَلَمُونا » أي وما تضررنا بمعصيتهم ولا بمخالفتهم ، إذ كان كل مظلوم متضررا « وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » أي ما يكون من الضرر في ذلك يعود عليهم ، وهذا يدلك أيضا على أنه لنفسك عليك حق ، وهو أن تسلك بها سبيل النجاة ، فإذا لم تفعل فقد ظلمتها وأورثتها الضرر والشقاء ، ثم قال تعالى ( 59 ) « وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » الآية ، ومن نعمه أيضا عليهم بعد أن فرغوا من إقامتهم في التيه أن قال لهم « ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » يعني بيت المقدس أو أريحا ، ما ثبت عندنا أية قرية هي ، غير أنا زرنا قبر موسى عليه السلام على قرب من أريحا على قارعة الطريق الكبرى وقرب من الكثيب الأحمر ، بأرض يقال لها البريصا ، ظاهر حجارتها بيض وباطنها أسود نفطية ، كنا نوقدها كما يتقد النفط ، ورائحتها كرائحته وفيها دهن ، والقبر على يمين الطريق إذا طلبت أريحا ، ثم قال « فَكُلُوا مِنْها » الضمير يعود على القرية « حَيْثُ شِئْتُمْ » أي مما فيها ، فأباح لهم الدخول والأكل كيف شاءوا ومما شاءوا وحيث شاءوا « رَغَداً » في اتساع عيش من غير تضييق ولا تحجير « وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً » كلفهم التواضع عبادة بالسجود عند الدخول « وَقُولُوا حِطَّةٌ » بالرفع ، أي قولوها كما أمرتم حكاية على الرفع ، وحطة مثل قعدة وجلسة ، وقد يكون دعاء ، أي حط عنا ذنوبنا حطة ، وقد يكون المعنى إذا دخلتم سجدا وفرغتم من عبادتكم فحطوا ، أي أنزلوا رحالكم حطة ، ومعناه يتداعوا بها على الرفع بينهم : حطة حطة ، ليحطوا ، فإذا فعلتم ذلك « نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ » جمع خطيئة ، وهو ما كان منكم مما تقدم مما ذكرناه من الذنوب ، « وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » إحسانا على إحساننا لهم ، لكونهم ما خالفوا أمر اللّه واحترموا جانب الحق ، قال تعالى ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) فإن تركهم للمخالفة زيادة عمل مشروع إذا اقترنت به نية الترك ، وسواء كان الترك لمباح أو ندب أو فرض ، على أنه عندنا إذا أتى المباح من حيث أنه مباح شرعا أجر ( 60 ) « فَبَدَّلَ